ابن ميثم البحراني

196

شرح نهج البلاغة

لصدق حدّ الهجرة في الموضعين ، ولأنّ المقصود من الهجرة ليس إلَّا اقتباس الدين وتعرّف كيفيّة سبيل اللَّه . وهذا المقصود حاصل ممّن يقوم مقام الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام بحيث لا فرق إلَّا النبوّة والإمامة . ولا مدخل لأحد هذين الوصفين في تخصيص مسمّى الهجرة بمن قصد الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم دون من قصد الأئمّة فوجب عموم صدقه على من قصدهم . فإن قلت : هذا معارض بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : لا هجرة بعد الفتح حتّى شفّع عمّه العبّاس في نعيم بن مسعود الأشجعي أن يستثناه فاستثناه . قلت . يحمل ذلك على أنّه لا هجرة من مكَّة بعد فتحها إلى المدينة توفيقا بين الدليلين . وسلب الخاصّ لا يستلزم سلب العامّ . فاعلم أنّ فائدة هذا القول الدعوة إلى الدين واقتباسه منه ومن أهل بيته عليهم السّلام بذكر الهجرة ، والتنبّه بها وما يستلزمه من الفضيلة على أنّ التارك لأهله ووطنه إليهم طلبا للدين منهم يلحق بالمهاجرين الأوّلين في مراتبهم وثوابهم . الرابعة : قوله : ما كان في الأرض . إلى قوله : ومعانيها . قال قطب الدين الراوندي - رحمه اللَّه - : ما هاهنا نافية : أي لم يكن للَّه في أهل الأرض ممّن أسرّ دينه أو أعلنه وأظهره حاجة . ومن هنا لبيان الجنس . وأنكر الشارح عبد الحميد بن أبي الحديد كون ما نافية . وقال : يلزم منه كون الكلام منقطعا بين كلامين متواصلين وجعلها هو بمعنى المدّة : أي والهجرة قائمة على حدّها ما دام للَّه في أهل الأرض ممّن أسرّ دينه أو أعلنه حاجة : أي ما دامت العبادة مطلوبة للَّه تعالى من أهل الأرض بالتكليف وهو كقولك في الدعاء : اللَّهمّ أحيني ما كان الحياة خيرا لي . ويكون لفظ الحاجة مستعارا في حقّه تعالى باعتبار طلبه للعبادة بالأوامر وغيرها كطلب ذي الحاجة لها . وأقول : إنّه غير بعيد أن يكون نافية مع اتّصال الكلام بما قبله ، ووجهه أنّه لمّا رغَّب الناس في طلب الدين والعبادة فكأنّه أراد أن يرفع حكم الوهم بما عساه يحكم به عند تكرار طلب اللَّه للدين والعبادة من حاجته تعالى إليها من خلقه حيث كرّر طلبه منهم بتواتر الرسل والأوامر الشرعيّة ، ويصير